ابراهيم بن عمر البقاعي
297
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 17 إلى 21 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب المشار إليه بكلمات القسم ، أتبعه ما لأضدادهم من الثواب المنبه عليه أيضا بتلك الكلمات ليتم الخبر ترغيبا وترهيبا ، فقال جوابا لمن كأنه قال : فما لمن عاداهم فيك ؟ مؤكدا لما للكفار من التكذيب : إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة فِي جَنَّاتٍ أي بساتين دائما في الدنيا حكما وفي الآخرة . ولما كانت البساتين ربما يشقى داخلها أو صاحبها ، نفى هذا بقوله : وَنَعِيمٍ * أي نعيم في العاجل ، يعني بما هم فيه من الأنس ، والآجل بالفعل ، وزاد في تحقيق التنعم بقوله : فاكِهِينَ أي معجبين متلذذين بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن أوصلهم إلى هذا النعيم ، فهو لأن عظمته من عظمته لا يبلغ كنه وصفه . ولما كان المتنعم قد تكون نعمته بعد عذاب ، فبين أنهم ليسوا كذلك فقال : وَوَقاهُمْ أي قبل ذلك رَبُّهُمْ أي المتفضل بتربيتهم بكفهم عن المعاصي والقاذورات عَذابَ الْجَحِيمِ * أي النار الشديدة التوقد . ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في هناء عظيم ، قال مترجما لذلك على تقدير القول : كُلُوا أي أكلا هنيئا وَاشْرَبُوا شربا هَنِيئاً أي لا نقص فيه ، وهو صفة في موضع المصدر أي هنأتم بمعنى أن كل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخمة والسقم ونحوها بِما كُنْتُمْ أي كونا راسخا تَعْمَلُونَ * أي مجددين له على سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم . ولما كان النعيم لا يتم إلا بأن يكون الإنسان مخدوما ، نبه عليه بقوله : مُتَّكِئِينَ أي مستندين استناد راحة ، لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ أي منصوبة واحدا إلى جنب واحد ، مستوية كأنها السطور على أحسن نظام وأبدعه ، قال الأصبهاني : والصفة : مد الشيء على الولاء . ولما كان السرور لا يتم إلا بالتنعم بالنساء قال : وَزَوَّجْناهُمْ أي تزويجا يليق بما لنا من العظمة . ولما كانت تلك الدار غنية عن الأسباب ، فكانوا غنيين عن العقد ، قال مشيرا بالباء إلى صرف الفعل عن ظاهره فإنه إذا كان بمعنى النكاح تعدى بنفسه ، وتضمين الفعل « قرناهم » أي جعلناهم أزواجا مقرونين بِحُورٍ أي نساء هن في شدة بياض العين